عفيف الدين التلمساني
275
شرح مواقف النفري
إن من تعرف سواه فهو أجهل الجاهلين ؛ إذ ليس له سوى إلا باعتبار الكون وهو اعتبار أهل الحجاب ؛ لأن الشهود بنفسه ، ثم إن من نظر الكون بعين الحق وجده يدعو إلى الحق لا إلى نفسه ، ومع كونه يدعو إلى الحق لا إلى نفسه فقيل له : « إن أجبته عذبتك » والمراد أن يرى أن الداعي ليس هو الكون إنما هو الحق ؛ فإن أجاب الحق سلم ، وإن أجاب الكون عذب . قوله : « وليس لي منك بد » يعني لأن حضرة الإنسانية هي ظل الحضرة وعلى صورتها وهي لازمة بمظلولها وفيها تتقابل حضرات الأسماء الإلهية والكونية مثل الرازق والمرزوق ، والخالق والمخلوق ، والمانع والممنوع . . . وأمثال ذلك . وهذا معنى قوله : « وحاجتي كلها عندك » . ومعنى قوله : « فاطلب مني الخبز والقميص » أي أشهد في حضرة إنسانيتك فقرك إلي في القليل والكثير . ومعنى قوله : « فإني أفرح » أي فإني أرى أن قد عرفت فإنني كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف . فعبر عن معنى أجبت بالفرح ؛ فإن المحبوب يفرح به . قوله : « وجالسني أسرك » أي جالسني بالمراقبة أسرك بتعرفي إليك . ومعنى قوله : « وانظر إلي » هو أن تقابل أسماء عبوديته بأسماء الحضرة ولا تنشغل بسوى ذلك ، وليس في الموجودات من يستحق نظر الحق تعالى إليه إلا الإنسان لمكان أنه الخليفة . ومعنى قوله : « وإذا جئتني بهذا كله وقلت لك إنه صحيح فما أنت مني ولا أنا منك » أنه إنما يحيى الحق بالحق لا بهذه الأشياء على وفق ما ذكر وتلحظ فيها وجه الوحدانية فتفنى فيها الكونية ، وعلامة من فعل ذلك أن لا يقال له إن هذا كله صحيح ، بل يعمى عن رؤية الجميع بأحدية الجمع المتبع . 40 - موقف هو ذا تنصرف قوله : ( أوقفني بين يديه وقال لي : هل ترى غيري ؟ فقلت : لا ، قال : فانظر إليّ . فنظرت إليه يخفض القسط ويرفعه ويتولّى كل شيء هو وحده ) . قلت : هذا الموقف يشتمل على ما يقتضيه تجلّيه الكلّي وما يوجبه احتجابه ، فأما ما يقتضيه قوله بين يديه فهو الكشف والتجلي ، وذلك يقتضي أن لا يرى غيره